الخرافي: تمكين ثقافة الإبداع لتطوير التعليم
صرح نائب رئيس مجلس الإدارة في مجموعة زين بدر ناصر الخرافي أن «الثورة الصناعية الرابعة أحدثت تحولات جذرية، وبشكل واضح في قطاع الأعمال، حيث ظهرت تطبيقاتها في زيادة إنتاجية القطاعات الرئيسية في المجالات التجارية والصناعية، وبات اقتناء التكنولوجيات الحديثة أمرا أساسيا لمواصلة النمو الاقتصادي».
وقال الخرافي «في الوقت الذي تشير فيه التقارير والتوقعات إلى حالة من التفاؤل بشأن التكنولوجيات الحديثة، التي تعد بتحسين أوجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فإن هناك معضلة كبيرة، وهي مواجهة الآثار المترتبة الأخرى التي ستحدثها الثورة الصناعية الرابعة في المجتمعات، على سبيل المثال، ما ستسببه من انحسار وفقدان للوظائف التقليدية».
قال بدر الخرافي «إن الثورة الرقمية وما يرتبط بها من تطبيقات، وبالرغم من الاستفادة المتوقعة التي ستأتي بها هذه الحقبة، فإنها ستؤدي إلى إحداث تأثيرات في مكونات بيئة الأعمال، حيث ستضعنا أمام تحديات بين زيادة البطالة التكنولوجية وتوفير فرص العمل، وهو ما يستدعي فهمنا لطبيعة هذه التغيرات الجذرية».
وبين الخرافي أن التكنولوجيات الحديثة تدفع الشركات إلى اكتساب المزيد من الثروات الهائلة مع عدد أقل بكثير من العمالة، وذلك مقارنة مع الـ 25 عاما الماضية، وخير مثال على ذلك حجم ثروات أكبر ثلاث شركات تكنولوجية في وادي السيلكون بلوس انجلوس، التي تصل قيمتها السوقية إلى 30 ضعف القيمة السوقية للشركات الصناعية في ديترويت، مع ملاحظة أن عدد العمالة في الشركات التكنولوجية هذه بلغ 137 ألف عامل، بينما وصل في الشركات الصناعية إلى نحو 1.2 مليون عامل، وتكشف هذه الأرقام مدى الفجوة الكبيرة في عدد العمالة بينها، حيث تمثل قوة عمالة هذه الشركات التكنولوجية حوالي 10% مقارنة بحجم عمالة الشركات الصناعية الكبرى».
جاء حديث الخرافي هذا خلال فعاليات منتدى الثروة البشرية الذي انعقد مؤخراً في مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي بتنظيم مؤسسة نقاط للتقدم الثقافي (غير الربحية)، والذي شارك فيه كمحاضر رئيسي بورقة عمل بعنوان «تمكين ثقافة الإبداع»، وهي الفعاليات التي سلّطت الضوء على أهمية الاستثمار في الثروة البشرية، حيث تضمنت مجموعة من المحاضرات والمناقشات التثقيفية بقيادة نخبة من كبار المفكرين والرياديين في مجالات الثقافة والفنون، حيث تسعى مؤسسة نقاط من خلال عقد هذا الحدث إلى نشر الوعي والثقافة حول مبادئ بناء الاقتصاد الإبداعي محلياً وإقليمياً، ومواكبة الاتجاه العالمي السائد حالياً نحو تنمية اقتصاد قائم على المعرفة، وإعادة اكتشاف العلاقة بين المعرفة والإبداع والإنتاج الاقتصادي.
وإذا كان الاعتماد على الموارد الطبيعية أدى إلى تنوع اقتصادي محدود، والافتقار إلى الاستثمار في التنمية البشرية، فقد حث الخرافي خلال الجلسة النقاشية على أهمية تمكين الثقافة الإبداعية، والاستثمار بكثافة في الثروة البشرية، وهو لن يتحقق – بحسب وصفه – إلا بالبحث عن أصحاب البحوث والمبادرات المبتكرة، ودعمهم ماديا ومعنويا، حيث إن بيئة الأعمال بحاجة ماسة الآن إلى التركيز على الوظائف التي تراعي الجوانب الإبداعية والابتكارية في ظل هذه التطورات التكنولوجية.
وتابع الخرافي «ولذلك، نحن بحاجة إلى تبني آليات التعليم الإبداعي في منظومتنا التعليمية في الدولة، لتزويد أجيال المستقبل بالمهارات اللازمة، حيث إن الحقل التعليمي عامل مهم جداً في تزويد قطاع الأعمال بالمهارات والمواهب، كما أن العملية التعليمية لا تتوقف عند مرحلة عمرية معينة».
وأبدى الخرافي أسفه للاستراتيجية التي تشهدها العملية التعليمية، والتي وصفها بأنها لا تقدم الكوادر القادرة على التعامل مع هذه التطورات، مبيّناً أن هذه المخرجات لا تعكس الواقع الحقيقي الذي تشهده أسواق العمل الباحثة عن العقول الإبداعية والمبتكرة. فإذا ما أرادت الدولة تحقيق أهدافها الاستراتيجية من التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فعليها اتخاذ خطوات حقيقية لإصلاح العملية التعليمية، والاعتماد على مناهج تعليمية تراعي الجوانب الإبداعية لتنمية مدارك وعقول الأجيال».
رأس المال البشري
وكشف الخرافي خلال النقاشات التي دارت مع الحضور في الجلسة النقاشية أن آخر إحصاءات المنتدى الاقتصادي العالمي في مجالات رأس المال البشري صنفت الكويت في المركز الـ96 على سلم المؤشر الذي أصدره مؤخراً وتضمن 130 دولة، حيث كشف هذا التقرير أن الكويت على الرغم من أنها في صدارة دول العالم من حيث الإنفاق التعليمي على الطالب الواحد بمبلغ 14300 دولار سنوياً، فإن جودة التعليم الفعلية من هذا الإنفاق تبلغ 3300 دولار، بمعنى أنها تمثل 23% من القيمة الحقيقية التي تنفقها الدولة على الطالب الواحد.
ومضى في قوله «إن نهج دمج ثقافة الإبداع وروح الابتكار مع العلوم التكنولوجية في المناهج التعليمية ساعد كثيرا في توليد الطاقات الإبداعية لدى الطلبة في المراحل العمرية المختلفة، ولذلك فعند النظر إلى هذه الاحصاءات، فإننا بحاجة إلى تغيير مناهجنا التعليمية وتبني مناهج تعتمد على ثقافة الإبداع والابتكار، خصوصا إذا ما عرفنا أن المرحلة الزمنية التي يصل فيها الإبداع البشري تمتد من عمر 5 – 14 سنة، وهذا ما يستدعي منا التحرك سريعا لإعداد كوادر وأجيال تكون قادرة على التعاطي مع تطورات وتحديات المستقبل».
وقال الخرافي «انطلاقا من هذه الحقائق التي وجدناها، فقد تحركنا سريعا في مجموعة زين، كمؤسسة تمثل القطاع الخاص، وتؤمن بمسؤولياتها في مجالات الاستدامة، ودشنا مبادرة تطويرية مع مؤسسة نقاط للتقدم الثقافي بعنوان (IN•DIG•GO)، وهي عبارة عن برنامج تعليمي مبتكر مخصص للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الست أعوام والـ 11 عاما، بهدف توسيع نطاق مدارك الأطفال، وتعزيز قاعدة المعرفة لديهم، وتطوير مهاراتهم الشخصية والتعليمية».
وذكر أن هذه المبادرة هي الأولى من نوعها على مستوى الشرق الأوسط، وتم اطلاقها لأطفال موظفي شركة زين، على أن تستمر المرحلة الأولى لمدة 13 أسبوعا، وبعد تحليل نتائج هذا البرنامج سنتجه نحو التوسع في نشر هذا البرنامج التعليمي لهذه المبادرة على نطاق أكبر».
وتابع الخرافي قائلا «عززنا من شراكتنا الاستراتيجية مع مؤسسة إنجاز، التي نسعى من خلالها إلى تثقيف ودعم الشباب الشغوف بتطوير أفكاره ومشاريعه وفقاً للمعايير العالمية، حيث يوجه هذا المشروع جهوده نحو قطاع الشباب والتعليم، والتقرب أكثر من الطلبة والطالبات من المدارس الحكومية المتوسطة والثانوية في جو مهني احترافي للمساهمة في تطوير مهارات الطلبة في هذه المرحلة العمرية المهمة».
وإذ بين الخرافي أن المجموعة أبدت اهتمامها أيضا بالمرحلة العمرية الأكبر بالتوجه إلى الشباب من خريجي الجامعات، باطلاق النسخة الثالثة من المشروع التدريبي «جيل Z»، والذي تستهدف منه الاستثمار في المواهب الوطنية الشابة، بغرض تقديم وتأهيل جيل جديد من الرواد إلى بيئة الأعمال، فقد أوضح قائلا «هذه المبادرة قدمت كوادر وطنية شابة إلى قطاع الأعمال، حيث التحق أربعة خريجين من هذا المشروع للعمل في زين في عام 2016، ومثلهم التحقوا للعمل في الشركة عن عام 2017، فهذه المبادرة تمنح الخريجين الفرصة لتطوير قدراتهم المعرفية، والمساعدة في تنمية أفكارهم بأساليب مبتكرة».
تحفيز الطاقات الإبداعية
واستعرض الخرافي التجربة العملية التي قامت بها مجموعة زين لتحفيز الطاقات الإبداعية من كوادر زين على مستوى شركاتها في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا، بقوله «أطلقت المجموعة مبادرة Zainiac، بهدف تعزيز الابتكار في الشركة، ودفع الموظفين لبدء أعمال جديدة، والتفرغ لإدارة هذه المشاريع، على أن يكون دورنا هو تقديم كل الدعم المطلوب لهذه المشاريع».
وقال الخرافي: «هذه المبادرة هي مثال عملي على تحفيز القدرات الإبداعية في المؤسسات، فمن خلالها حاولنا إشعال فتيل الإلهام، وتشجع الابتكار، وبالفعل حصلنا على أكثر من 100 مبادرة ومشروع من موظفينا في كل الشركات، وتم اختيار 5 أفكار فقط، على أن يتم دعم أصحابها من الموظفين، حيث كان الهدف توفير فرص عمل جديدة باطلاق هذه المشاريع في سوق العمل».
وأشار إلى أن مثل هذه المبادرات تشجع الشباب على اختراق سوق العمل، وبناء أجيال جديدة قادرة على تقديم مشاريع ذات جدوى اقتصادية، كما أنها تسهم في تعزيز جهود الدولة التنموية، خصوصًا إذا ما عرفنا أن الاحصاءات الأخيرة تبين أن نسبة أعداد العاملين في القطاع الحكومي تصل إلى 92%، مبينًا أن هناك تخوفات بعد وصول نسبة البطالة إلى 20% بين الشباب».
وأكد الخرافي ضرورة تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين، وهو الأمر الذي وصفه بأنه يسهم في زيادة الناتج القومي المحلي، مبينًا أن التقارير العالمية تفيد بأن عند التوزان بين الرجل والمرأة في سوق العمل، فإن الناتج القومي المحلي يحقق نسب نمو قوية، كما أنه يعزز من القدرات الإبداعية في البيئة التشغيلية».
وتابع قائلاً: «اعتمادًا على هذه الحقائق قامت زين بإطلاق مبادرة تمكين المرأة، بهدف اتخاذ خطوات حقيقية نحو التنوع بين الجنسين في بيئة الأعمال، وفي الوقت نفسه تقوية ودعم العنصر النسائي حتى يكون للمرأة دورًا فاعلاً في تطوير وقيادة المؤسسة نحو تحقيق أهدافها الاستراتيجية».
وبين قائلاً: «تكشف النسب المسجلة لدينا أن هناك 23% فقط يمثلون العنصر النسائي في قوة عمل المؤسسة، كما أن العنصر النسائي يمثل 14% من قوة القيادات العليا في المجموعة، ولذلك نستهدف من هذه المبادرة تحقيق أكبر قدر من التوازن بين الجنسين والوصول إلى نسبة %25 في القيادات العليا مع عام 2020».
وأوضح قائلاً: «لا يمكن اعتبار مؤسسة ما متقدمة في تبني هذه المفاهيم، إذا لم تحدد وتدعم جميع العناصر لديها، وبالنظر إلى المساهمات الكبيرة التي تقدمها المرأة، فنحن متحمسون جدًا لهذه المبادرة، وما يمكن أن تحققه من دعم وتمكين لدورها في بيئة الأعمال، ولذلك نسعى إلى تبني لوائح تنظيمية مبتكرة لدعم هذا التوجه».
المسؤولية الاجتماعية
وشدد الخرافي على جهود المجموعة في جوانب أخرى بعيدة عن المجالات التجارية والتكنولوجية، وهو جانب المسؤولية الاجتماعية، وذلك بقوله: «تؤمن المجموعة بأهمية دعم مجالات الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية، وهي في هذا الصدد تتبنى دائمًا القضايا الأكثر تأثيراً، ودائمًا ما ترتكز مبادراتها على التعاون المشترك مع العديد من المؤسسات والشركاء بهدف تطوير امكانات ومهارات الشباب».
وبين أنه من الضروري توجيه الدعم والرعاية للكوادر الشابة، وعلى هذا الأساس تنظر الشركة إلى الأعمال الناشئة على أنها الأرضية الخصبة المثالية للعثور على الأشخاص الطموحين، موضحًا أن المجموعة قامت في هذا الإطار باحتضان عدد من رواد الأعمال.
وعلى صعيد سياسات عمل المؤسسات وقدرتها على إدارة استراتيجيتها وسط هذه التطورات، فأكد أن المؤسسات يجب ألا تغفل تبني الأساليب المبسطة في آلية العمل البعيدة عن التعقيدات، التي قد تضع عراقيل أمام مدارك وإبداعات الموظفين، كما أنها يجب ألا تغفل أيضاً نشر وسيادة روح العمل الجماعي، والابتعاد عن روح الفردية، التي في النهاية ستصب في تعزيز المناخ الصحي في المؤسسة».
واختتم الخرافي نقاشات الجلسة بقوله «ندرك أن بيئة العمل في المكاتب قد تؤثر على نشاط موظفينا ولياقاتهم الذهنية، وكذلك على طريقة التواصل في ما بينهم، وهو ما يؤثر بالتأكيد على عنصر الإبداع، والقدرات الإنتاجية، ولذلك اتخذنا مبادرات مبتكرة لنشر مناخ صحي داخل بيئتنا التشغيلية، بهدف الحفاظ على تحقيق التوازن المطلوب بين النشاط البدني والعقلي لموظفينا، حيث نعمل على إشراكهم في العديد من البرامج والمبادرات التي تعزز من النشاطين البدني والعقلي، كما نعمل على تأسيس مركز حيوي يكون بمنزلة ساحة التقاء فكرية بين الموظفين والمبدعين، يتواصلون فيه بالشكل الذي يخدم التوجهات الاستراتيجية للشركة».
وتشهد منطقة الخليج تحولات اقتصادية واجتماعية حاسمة، وهذه التحولات تبرز في طبيعة انتقالها من الاعتماد على النفط إلى التنويع المتوازن بين القطاعات المختلفة، والتعاون مع القطاع الخاص، وكذلك تشجيع المشاركات الوطنية من مواطنين ومجتمعات ومنظمات غير ربحية. ومؤخراً قامت الكويت على سبيل المثال بوضع استراتيجيات موجهة اجتماعية واقتصادية تحت عنوان «كويت جديدة 2035»، لدفع تلك النقلة النوعية، ولكن تنقصها المؤشرات والأدوات الواضحة لقياس ومتابعة المساهمة التي تقوم بها هذه الكيانات الفردية في تأثيرها على المجتمع. لذلك، قامت نقاط بإطلاق فكرة «المؤشر الجديد لقياس تأثير الإبداع على المجتمع»، بالتعاون مع مجموعتي زين واستراتيجي أند.
الخرافي والروضان أثناء حضور المنتدىالحميضي: توجيه الشركات نحو الابتكار والإبداع
قالت العضوة المؤسسة رئيسة قسم المحتوى في مؤسسة نقاط حصة الحميضي «حرصنا على أن تشمل هذه النسخة من المنتدى سلسلة من الفعاليات والجلسات الفكرية، والتي أدارتها نخبة من القادة والخبراء في المجالات الإدارية والثقافية، حيث دعت هذه النخبة إلى ضرورة تضمين الفكر الإبداعي في المجالات التعليمية والتدريبية».
وبيّنت أن هذه الدورة بداية حقيقية لرحلة «نقاط» التعريفية التي ستقوم بها في أسواق منطقة الشرق الأوسط لنشر ثقافة الاقتصاد الإبداعي على المستوى الإقليمي، حيث تحرص المؤسسة على أن تواكب أهداف رسالتها الاتجاهات العالمية نحو تعزيز وتنمية الاقتصاد القائم على المعرفة.
وتركز مؤسسة نقاط في مبادراتها على إعادة اكتشاف العلاقة بين المعرفة والإبداع والإنتاج الاقتصادي من ناحية، وعلى الابتكار العلمي والتجاري من ناحية أخرى، ولذلك كثفت من جهدها مؤخراً لإطلاق مؤشر خاص لقياس تأثير الإبداع على المجتمعات.
جدير بالذكر أن فكرة إطلاق هذا المؤشر من مؤسسة نقاط جاءت للمساهمة في توجيه الشركات نحو تطبيق مناهج ترتكز على مفهوم الابتكار والإبداع، وهو يعد خطوة تقدمية نحو تعزيز اتجاهات المؤسسات والشركات إلى تطوير المجتمع ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، حيث سيساعد على الارتقاء بطبيعة فلسفة برامج الشركات في مجالات الاستدامة، وترسيخ مبادئ المسؤولية الاجتماعية ضمن ثقافة عمل أي مؤسسة.



